موسوعة ثورة الأجناس الأدبية
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 القصة الشاعرة (2)/ د. خالد البوهي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
Admin


المساهمات : 58
تاريخ التسجيل : 24/04/2011

مُساهمةموضوع: القصة الشاعرة (2)/ د. خالد البوهي   الإثنين أبريل 25, 2011 4:14 pm




القصة الشاعرة - الجزء الثاني / للدكتور خالد البوهي



الموسيقى فى القصة الشاعرة

القصة الشاعرة تلتزم بالقواعد الموسيقية العروضية، والتى نرى أنها ضرورية لبنائها الفنى السليم، فليست الموسيقى فى هذا الجنس الأدبى الجديد مجرد شكل، لكنه يعبر عن مضمون عميق.

ونفصل القول فنقول:
إن القصة الشاعرة عبارة عن نفس متصل... هذا الاتصال تؤكده الدفقة التفعيلية المتواصلة، فتوالى التفعيلات المتشابهة يرسخ اتصال هذا النفس القصصى الذى يجعل النفس تتشبع بالتفعيلات المتواصلة، والتى هى فى حقيقة أمرها تفعيلة متواصلة لا تنتهى إلا بنهاية النص، وهذه هى الفلسفة التى تقوم عليها القصة الشاعرة.
ولذلك فنحن نرى وجوب استخدام البحور الصافية، لأن البحور المركبة لاتساعد على اتصال الدفقة الحدثية، كما لايصح عندنا المزج بين البحور، أو المزج بين الشعر والنثر.
مع ملاحظة جواز وضع مفتتح أو خاتمة لنص القصة الشاعرة من أى جنس أدبى آخر، ويستوى فى ذلك كون ذلك المفتتح أو الخاتمة من الشعر أو من النثر بشرط عدم جواز ارتباطه بصلب النص - وإن كان من الممكن أن يوضحه.
ونشبه هذا الأمر بجعل هذا الفاصل الشعرى أو النثرى كالصفة فى الجملة الخبرية - لها وظيفة تعبيرية، ولكنها غير أساسية فى بناء الجملة، و نرى أنه إذا اختل هذا الشرط - فصار هذا الفاصل ركنا ً من النص، وأصبح كالمبتدأ أو كالخبر- يفسد التدوير القصصى، وخرج النص بذلك عن كونه قصة شاعرة.
ونحب أن نحيل القارئ إلى نص محمد الشحات محمد (تسبيحة ألوان الشفرة) ، والذى ختمه بفاصل بديع من الشعر التفعيلى.

وبعد كل ذلك أعتقد أننا لن نختلف على أهمية التدوير فى القصة الشاعرة.


التدوير فى القصة الشاعرة


ارتبطت القصة الشاعرة بالتدوير العروضى، وقد تساءل البعض عن جدواه وقالوا ما الذى يمنع من وجود التسكين والقافية داخلها مدعين بذلك امتلاكهم لكثير من القصص الشاعرة، والتى يعتبرونها قصصا ً شاعرة برغم تخلل التسكين والقوافى الداخلية فى حشوها.

ونحن نقول إن هذا الفهم المغلوط ترتب على عدم ادراك أهمية التدوير الذى تمسك به كاتبوها... كما كان نتيجة النظرة السطحية للقصة الشاعرة، والتى كانت نتيجة حتمية للخواء الثقافى الذى نعانيه.
التدوير يعنى اتصال النفس الشعرى القصصى، لأن القصة الشاعرة متماسكة أشد التماسك، والنص المتواصل هو الذى يحقق الوحدة العضوية، أما القوافى فلها وظيفة هامة... ألا وهى قطع النفس الشعرى السردى، والشئ نفسه يقال عن التسكين فى الشعر الحديث ، هذا التسكين قد يكون فنيا ً، كما قد يكون استعراضيا ً أونتيجة لعدم امتلاك الشاعر لأدوات الشعر.
فمتى يكون القطع فنيا ً؟ ومتى يكون استعراضيا ًضعيفا ً؟

يكون فنيا ً حينما تضيف القافية إلى النص الشعرى...
فعندما يقول صلاح عبد الصبور:
( يا صاحبى إنى حزينْ )

انظر إلى النون الساكنة أو المسكنة التى تضيف إلى النص ثم يقول:
(طلع الصباح فما ابتسمت ولم ينر وجهى الصباحْ)
لماذا لم يقل ( طلع الصباحْ / فما ابتسمت ولم ينر وجهى الصباحْ ) مع أن بحر الكامل يصلح فيه الوقص، ومع ذلك فأنت ترى أن الوقف قد أضاف إلى المعنى، فالوقف على الصباح الأولى يشير إلى أهمية طلوع الصباح، وهذا أمر لم يرده الشاعر الذى يريد أن يتكلم عن فلسفة الحزن ودوامه على الرغم من طلوع الصباح، ولذلك كان لا بد من اتصال الدفقة الشعرية غير المقطوعة بتسكين.
ثم انظر إلى أمل دنقل حينما يقول:
المجد للشيطان .. معبود الرياحْ
من قال "لا" فى وجه من قالوا نعمْ
من علم الانسان تمزيق العدمْ
من قال "لا" .. فلم يمتْ
وظل روحا أبدية الألمْ !

انظر إلى التسكين وإلى القوافى الداخلية ستجدها تضيف إلى النص إضافات فنية بهذا القطع وبهذا الاتصال للنفس الشعرى، فكل وقوف يضيف للنص ، ولا يأخذ منه شأن أمل دنقل فى أكثر قوافيه وتسكيناته، أما الجميل هنا بل والرائع فهو الاتصال، وانظر إلى:
( من قال " لا " فى وجه من قالوا نعمْ )
تجد أن دنقل قد وصل النفس الشعرى برغم جواز القطع عروضيا ً، ولذلك كان من الممكن أن يقول
( من قال لا / فى وجه من قالوا نعمْ )
فدنقل يقصد ان المجد يكون للذى يقول "لا" معارضة وتحديا لمن قالوا نعم، وليس لأجل مطلق المعارضة التى تمثلها (لا)، دنقل هنا يتحدث عن التمرد فى زمن الخنوع.
ولك أن تنظر إلى بدر شاكر السياب حينما يقول:
لأنى غريبْ
لأن العراق الحبيبْ
بعيد وإنى هنا فى اشتياقْ
كان من الممكن أن يقول:
( لأنى غريبْ / لأن العراق الحبيب بعيدْ / وإنى هنا فى اشتياقْ )

فبرغم جواز ذلك عروضيا ً، لكنّ الشاعر يقصد أن يخبرنا عن معاناة الحب، ولو كتبها بالطريقة الثانية لكان قد أخبرنا عن معاناة البعد الذى هو موجود بالفعل كتابع للحب.
أما القوافى الاستعراضية أو الضعيفة فهى موجودة بكثرة فى كثير من القصائد التقليدية، والتى يستنزف الشاعر فيها قافيته مستعرضا ً نفسه الشعرى فيسقط فى الهشاشة والضعف.
والنماذج على ذلك كثيرة عند شعراء القصيدة العمودية.. وهذا لا ينطبق بكل تأكيد على شعرائها المتميزين.
ونماذجه كذلك كثيرة عند شعراء القصيدة التفعيلية الذين كثيرا ً ما يقعون فى التسكين غير المبرر! وذلك لانقطاع نفسهم الشعرى.
ونحن نلاحظ أن التسكين عند شعرائها الكبار لا يأتى إلا ليضيف كما سبق أن أوضحناه عند دنقل وعبد الصبور، أما التسكين بغير مبرر فنى فهذا يضعف النص، أوعلى أحسن الأحوال لا يضيف شيئا ً إلى النص.
لأجل كل ذلك كانت القصة الشاعرة تحتاج دائما ً إلى التدوير، لأنها وحدة متماسكة لا تحتاج إلى تسكين، أو إلى قواف داخلية تقطع النفس الموسيقى المتصل.
لكنّ إخفاق البعض فى إدراك الوظيفة الشعورية والموسيقية للتسكين وللقافية هو الذى أدى بهم إلى الإخفاق فى إدراك أهمية التدوير الموسيقى فى القصة الشاعرة.



الرمز فى القصة الشاعرة

إذا كنا قد اتفقنا على اشتراط التدوير فى القصة الشاعرة فلا بد لنا من اشتراط الرمز الذى يجعل من التدوير قناعاً كليا ً يمسك بتلابيب النص، ولذلك فنحن نرى أن الرمز يقتضيه التدوير فهو لازم من لوازمه.
ونوضح هذا الأمر فنقول:
إن التدوير القصصى كما يشترط تدوير العروض يشترط كذلك تدوير الموضوع، والذى لا يتحقق إلا بوجود رمز وقناع يستبطن الحدث، ويجعل الموضوع مترابطاً ومتماسكا ً.
واختفاء الرمز يؤدى إلى انقطاع التدوير القصصى بالضرورة حتى ولو احتفظ النص بالتدوير العروضى، ويتحول النص بداهة إلى أن يصير شعرا ً تفعيليا ً.
وبالطبع فنحن لا نقصد بالرمز مجرد التشبيهات والاستعارات، وإنما نقصد القناع الكلى الذى يخلق استعارة كبرى، فيصبح النص وقد تكون من وحدات استعارية صغرى مترابطة ومتماسكة لتخلق وحدة استعارية كبرى، وهى ما نطلق عليه القناع الكلى للنص الأدبى.
ولذلك فنحن نؤكد على أن هذا الترابط والتماسك لا يتحقق بغير التدويرين العروضى والقصصى، كما أن التدوير القصصى لا يتحقق بغير الترابط والتماسك الذين يخلقهما القناع الكلى.




الوطن والهوية فى القصة الشاعرة


للوطن والهوية أهمية بالغة فى القصة الشاعرة، فلا يكاد يخلو نص من التأكيد على الهوية، ونحن وإن كنا لانراه شرطا ً لها من حيث المبدأ، لكنـّا نراه شرطا ً يؤكد أصالتها، كما يؤكد خصوصيتها الشديدة ، والتى تقدم إنجازا ً يختلف عما تقدمه فنون الأدب الأخرى.
القصة الشاعرة عبارة عن توليفة ذاتية موضوعية تتجلى من خلال قناع رمزى، فلا ينبغى أن يكون بعدها الوحيد مقتصرا ً على الذاتية التى نراها فى الغنائيات المونولوجية فى أنواع الأدب الأخرى، والتى تؤدى هذا الغرض بنجاح، وهذه التوليفة تتضح بعد قراءة نماذج كثيرة للقصة الشاعرة، وسيتضح كذلك التميز الأسلوبى لهذا الفن الذى يقدم شيئا ً جديدا ً ومختلفا ً... ليس فى الشكل فقط وإنما فى الموضوع.
ونوضح هذا الأمر فنقول:
إن إنجاز قصيدة التفعيلة عند جيل الرواد لم يكن فقط إنجازا ً شكليا ً بالتخلى عن البيت كمظهر خارجى للقصيدة، لكنه كان كذلك إنجازا ً موضوعيا ً فى اقتحام عوالم أخرى كتوظيف أحداث الحياة اليومية...

وكذلك القصة الشاعرة لا يمكن قصر إنجازها على الشكل فقط، وإنما إنجازها موضوعي فى المقام الأول.
ولنا أن نتساءل بدورنا:
هل هذا رد فعل طبيعى لذاتية ما يسمى بقصيدة النثر؟
أم أنه رد فعل رافض لكل ما يحدث لأمتنا من هزيمة وانكسار وضياع للهوية؟
الصحيح أنه كل ذلك.



علامات الترقيم فى القصة الشاعرة


علامات الترقيم من أهم المشكلات التى تواجه المبدع لأنها إما أن تضيف إلى النص، وإما أن تضعفه!!
فلم تعد علامات الترقيم مجرد علامات توضيحية كما أريد لها.
وربما كان هذا الكلام صحيحا ً فى الكتابة العادية كالصحافية مثلا ً..
لكن هذا غير صحيح فى الكتابة الإبداعية التى تزداد عمقا ً بهذه الإضافات من علامات وفراغات هى من أهم أساليب التطوير فى مجال الكتابة الإبداعية.
ومع كل ذلك فالقصة الشاعرة لها تعامل خاص مع العلامات والفضاءات البصرية، والتى تخلق إيقاعا ً بنائياً بصريا ً لا نستطيع تجاهله.

ونفصل القول فى هذا الأمر فنقول:
إن العلامات والفضاءات أنواع:
1. علامات معنى: وهذه تفيد التوضيح مثل الفاصلة، والفاصلة المنقوطة، وعلامات الاستفهام، والتعجب، ومثل الأقواس، والنقطتين العموديتين.. وهذه علامات ليس لها علاقات زمنية، فلا يتم السكوت عليها أثناء قراءة النص وإنما تفيد التوضيح للقارئ.
2. علامات زمن: وهذه تفيد السكوت الزمنى أثناء قراءة النص، هذا السكوت يدل على مرور الزمن... وهى تنقسم إلى نوعين:

· النقط الأفقية ( والتى قد تختلف فى عددها ): وهى عبارة عن سكتة لطيفة يلتقط القارئ أنفاسه، لكنه يقف بدون تسكين، هذه السكتة اللطيفة يتراوح مداها الزمنى القصير بحسب عدد النقط.

· الفضاء البصرى: والذى يفيد سكتة أطول من النقط الأفقية بالنسبة للقارئ، وهذه السكتة تكون كذلك بلا تسكين.

3. علامة قطع: وهى النقطة التى تأتى فى ختام النص، وهى تقطع التدوير القصصى، ومع ذلك فقد تأتى نادرا ً فى وسط النص لتوضيح المعنى، وفى هذه الحالة يحتاج المبدع إلى حرفية عالية كى لا يقع فى قطع التدوير القصصى، وقد لا يستعمل المبدع النقطة فى نصه لإفادة استمرارية الحدث. وانظر إلى (عودة إلى ما قبل لمحمد الشحات محمد) التى يقول فى نهايتها ( أذن لصلاة المغرب.. فتح عينيه.. تثاءب ) فكأن البطل يتكرر منه هذا التثاؤب الناتج من هذا الكابوس الذى يتكرر معه كالهاجس.

ولتوضيح هذه الأمور نود أن ننظر إلى نص غيبوبة سكر للأديب نفسه، والذى يقول فى نهايته

( هز العسكر أرجاء الحجرة..,
أعطونى تشخيص الحالة..,
كانت غيبوبة سكر )

نلاحظ هنا أن الكاتب يستخدم جميع التقنيات البصرية من علامات ترقيم وفضاءات بصرية :
· لاحظ النقطتين الأفقيتين اللتين تفيدان مسافة زمنية قصيرة يحدث فيها فعل العسكر وإعطاء التشخيص.
· ولاحظ الفاصلة التى تنسق بين مقاطع النص.
· ثم لاحظ الفضاء البصرى الذى يفيد مسافة زمنية تدل على التلكؤ فى إعطاء التشخيص برغم ضرب العسكر، وتدل على تأخر تشخيص الغيبوبة برغم وجودها.
· ولاحظ أخيرا ً عدم وجود النقطة فى ختام النص والذى يدل على استمرارية الحدث وهو الغيبوبة بطبيعة الحال.

لأجل كل ذلك... نؤكد على أهمية علامات الترقيم، وعلى أهمية الفضاءات البصرية.. هذه العلامات والفضاءات تضيف كثيرا ً إلى النص، فهى تخلق إيقاعا ً بصريا ً لا نستطيع أن نتجاهله.
لكن لابد لكاتب القصة الشاعرة من المحافظة على التدويرين البصرى والقصصى معا ً.
ولذلك فالمبدع يحتاج إلى حرفية عالية لإتقان التعامل مع هذه الوسائل المساعدة.
وأخيرا ً نؤكد على أن النص قد يخرج عن كونه قصة شاعرة فيصبح قصيدة تفعيلية - برغم تحقق شرط التدوير العروضى - وذلك بسبب قطع التدوير القصصى، وقد يكون ذلك عن عمد.

ولذلك فنحن نقول: إن الصواب هو أن تكتب نصا ً جيداً بفضل علامات الترقيم، والتى من الممكن أن تكون علامة مفرقة بين جنسين أدبيين.




(يتبع)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ash3r.montadarabi.com
Admin
Admin
Admin


المساهمات : 58
تاريخ التسجيل : 24/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: القصة الشاعرة (2)/ د. خالد البوهي   الإثنين أبريل 25, 2011 4:15 pm



بين النظرية و التطبيق


حينما بدأ محمد الشحات محمد فى كتابة القصة الشاعرة مبتكرا ً لونا ً جديدا ً من ألوان الكتابة الأدبية بدأت تتشكل نظريات كتابتها من خلال نصوصه.
ولذلك كان لابد له أن يقوم بالكتابة التوضيحية النقدية، شأنه شأن جميع المبدعين الذين ابتدعوا فنونا ً غير مطروقة، ولم تكن هذه الكتابة من باب النقد الذاتى بقدر ما كانت من باب الشرح والتوضيح.

أقول ذلك وأنا أعرف امتلاك كاتبنا لأدوات النقد الأدبى، ولذلك فنحن لانرى سببا ً لقول أحد النقاد:
" ليس للمبدع أن يكتب ناقدا ً إبداعاته، وأنه بذلك يصير كالفتاة الجميلة التى تدعو الشباب لمفاتنها، فتقول: انظروا لوجهى...انظروا لعيونى...انظروا لجسمى!!، فتكون بذلك قد حطت من قيمة نفسها ".
لا أحتاج إلى تأكيد أن محمد الشحات محمد لم ينقد نصا ً له، وإنما كتب القصة الشاعرة إبداعا ً ونقدا ً، وهولم يكن مبتدعا ً فى ذلك، فما زال الأدباء يمزجون ما بين إبداعهم الأدبى وما بين آرائهم النقدية....

فعلها العقاد فى مقدمات دواوينه.
وفعلها د/ لويس عوض فى كتابه بلوتولاند. وفعلتها نازك الملائكة فى تجربة الشعر الحر.
وفعلها على أحمد باكثير فى مقدمتى مسرحيتى ( أخناتون ونفرتيتى، روميو وجوليت ) مع تجربة الشعر المرسل المنطلق.
وفعلها ويفعلها آخرون.

وأحب أن أقول:
إن الفتاة الجميلة برغم أنها لن تقول للناس انظروا لمفاتنى، لكنها ستضع كحلا ً ومساحيق وغير ذلك من صنوف الزينة التى تتحدث عن مفاتنها.
وكذلك الأديب من حقه أن يتكلم عن آرائه الأدبية، ولاسيما إذا كان الموضوع بكرا ً يحتاج إلى الشرح والتوضيح.
ونحب أن نعرض بعض الآراء النقدية التى تناولها محمد الشحات محمد فى كتابه ( الموج الساخن ) متحدثا ً عن خصوصية القصة الشاعرة قال:
( والقصص الشاعرة ليست مزيجا ً أو خليطا ً من فنى القصة والشعر، وإنما هى الناتج من تفاعل ذهنى بين الجنسين، وهذا الناتج له أثره الذى يختلف عن الجنسين المتفاعلين ).

وهذا الكلام فى غاية الأهمية، ونحب أن يلتفت القارئ إليه أثناء قراءته نصا ً من نصوص القصة الشاعرة، ونحب أن نؤكد على تفردها وخصوصيتها.
وحينما تحدث عن الإيقاع فى الكتاب نفسه قال:
( ويعتمد الإيقاع فى القصص الشاعرة على عدة عناصر أخرى منها: اختيار التفعيلات، وتوحيدها، أو المزج بين عدة تفعيلات مختلفة بناء على دلالتها، والتزامها بالفونيمات الايقاعية..، حيث تعامل التفعيلة معاملة المفردة الشاعرة لإنتاج دلالات معنوية أو مادية، وخصوصا ً أن بعض كلمات اللغة تستبطن حمولة اجتماعية، وبدخولها تشكيل القصص الشاعرة تنفجر دلالات أخرى معتمدة على التشكيل الصوتى وتكثيف الجمل واختيار المفردات المتقاربة و المتباعدة وتكرارها مع استخدام علامات الترقيم، المواقع النحوية، العلامة الإعرابية، وعدد النقط، فضلاً عن الألوان ودلالتها ونمط الكتابة والتحكم فى حجم الخط ونوعيته والخلفيات سواء كانت فراغا ًأو رسوماً وموسيقى وغيرها).
يلخص فى تلك الأسطر القليلة رأيه فى إيقاع القصة الشاعرة، والتى نتفق مع أكثرها، وإن كنا لا نرى المزج بين عدة تفعيلات حفاظا ً على التدوير الإيقاعى المتصل، كما نرى أن هذا الكلام نظرى - فلم يطبقه الكاتب نفسه - اللهم إلا اذا كان يقصد تحويل النص الى مقاطع.

وعلى كل حال فالتجربة الإبداعية هى التى تحكم النظرية، وتشير إلى نجاحها من عدمه، والقاعدة عندنا هى المحافظة على التدوير... التدويرين العروضى والقصصى.
ثم يتحدث بعد ذلك عن التكثيف، ولعبة اختيار المفردات المتقاربة والمتباعدة ) التى تظهر القناع العام مستفيدا ً من استبطان بعض كلمات اللغة ( حمولة اجتماعية ).
الجميل هنا هو إشارته لعناصر إيقاعية ظهر بعضها بظهور الشعر التفعيلى، وانتشر مع ما يسمى بقصيدة النثر، ثم تم ضبط إيقاعه واستخدامه بحرفية عالية فى القصة الشاعرة.... ونعنى بذلك علامات الترقيم والمواقع النحوية والعلامة الإعرابية وعدد النقط.
ثم يتحدث عن الألوان ونمط الكتابة والتحكم فى حجم الخط ونوعيته والخلفيات... ونحن نتفق مع كل ذلك وإن كان كلاماً نظريا ً... ولكن من الممكن تطبيقه.
لكننا نلاحظ شيئا ً يخص ( الخلفيات سواء كانت فراغا ً أو رسوما ً وموسيقى )...
وهذا شئ رائع وإن لم يلتزم به الأديب، ونلاحظ أن الخلفية الموسيقية لا تكون إلا فى الإنشاد.
ونرى أن يكتب الأديب بجانب نصه عنوان مقطوعة يرى مناسبتها وجودة تعبيرها عن النص...لكن ذلك يحتاج بطبيعة الحال إلى ثقافة موسيقية معقولة تتيح للقارئ فهم النص.
ولمحمد الشحات محمد غير ذلك من الآراء التى فصلناها فى مواضعها ، يقول فى نص " منطق الإيمان " :-
" بلا سبب توضأ ثم صلى ركعتين وظل يدعو الله فى وجل:- " إلهى ما انقطعت فصل..، وهب لى من لدنك مدامع السلوى " .. توالت تمتمات الشوق فى الدوران.. عاد يراود الأشلاء منذ الرحلة الأولى ، وحتى صفقة البيع التى آلت بنصف البيت للجيران..، ألف من جلود الشعر أجنحة وطار الى بلاد تلبس الأنفال قبعة..، تخبئ فى المحال جنوده قصصا لعقد البيت.. طاف على بيوت الردة الكبرى..، تولى مجلسا للأمن..، قرر أن يعاد اللاجئون إلى الغيوم المستديرة دون مكحلة فسارعلى هدى الأنفال معجزة تشع النور تمطره ..، فتحيى كسرة الخبز الشعير بمنطق الايمان ..، فسر آية أخرى."

تعليق:
فى هذا النص تبرز القصة الشاعرة فى مستوياتها المتعددة الدلالات يجنح فيها المبدع إلى خصوصية ممتزجة بعبق الصوفية فيحلق بأجنحة من الإنتصارات والإنكسارات بل والمرارات التى تمزج الخاص بالعام، والسياسى بالاجتماعى، والدينى بالحياة، وهو يصلى لهذه المرارات يرجوها ويتحداها فى آن واحد.
ونلاحظ وجود الرمز متعدد الإيحاء الدلالى والذى يبتعد عن المباشرة والخطابية.
يأخذ النص خصائص الشعر من إيقاع هامس وموسيقى معبرة عن كل أشجان المبدع والمتلقى فى نفس شعرى متصل وتدوير غير مفتعل رغم تعمده، كما يأخذ خصائص القصة من دراما قصصية تتبطن العمل الأدبى وتمتزج به امتزاجا ً لا تنفصم عراه.... ولذلك فهذا النص لا تكتبه غير القصة الشاعرة بعيدا ً عن الشعر، وعن القصة.
المبدع هنا ينحاز إلى خيار المقاومة معتمدا ً على ربه، ولا يرى المتخاذلون سببا ً لذلك وهو يخفى هذا الفاعل - المتخاذلون - لأن هذا التخاذل قد أصبح رأيا ً عاما ً مؤسفا ً، ومع ذلك فالمبدع متمرد يأنف من الإستسلام والتخاذل، بل هو يجمع أشلاءه المتناثرة بفعل اليهود الذين أخرجوا الفلسطينيين، أما حكامنا فقد وافقوا على قرار التقسيم أو- بيع فلسطين - واعتبروه صفقة، واعتبروا اليهود جيرانا ً!! - والدين بطبيعة الحال يوصينا بالجيران!!
ومع كل ذلك فقد اختار الخيار الشعرى البعيد عن الحسابات المنطقية، وكان منطقه الوحيد هو منطق الايمان الذى يدعم الجهاد لاسترداد المقدس برغم كونه فى نظر البعض محالا ً، ولكنه يكفر بهذه القيم الإستسلامية الجديدة، و يبحث عن وطنه المحال.. ولأجل ذلك يطوف على الذين باعوا هذا البيع والذى يعتبره الكاتب ردة كبرى، أو هو ينضم إلى الذين يريدون المحال ويعرفون قصة هذا البيع ليكفر معهم بكل هذه القيم الجديدة.
وهو بهذا يعتبره المجتمع مرتدا ً عن النظام العالمى ردة كبرى..
وهو الآن يتولى مجلس الأمن فلا صوت يعلو فوق صوته - برغم كل شئ -، فهو الذى يقرر ويعترض على طريقته الخاصة.
ولذلك فالمقاومة ستنتصر حتما ً، وسيعود اللاجئون بالخيار الوحيد - خيار المقاومة - على هدى الأنفال، وسيأتى النور برغم كل الصعوبات المتمثلة فى الغيوم المستديرة، وسيتحمل المقاومون هذه الصعوبات بمنطق وحيد هو منطق الإيمان.. الإيمان بالله وبالقضية.
وبعد هذه القراءة لهذا النص الأدبى الرائع نجد أن القصة الشاعرة قد أضافت الكثير للطريقة التعبيرية والفنية، ولذلك فنحن نعتبرها اضافة هامة للأجناس الأدبية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ash3r.montadarabi.com
Admin
Admin
Admin


المساهمات : 58
تاريخ التسجيل : 24/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: القصة الشاعرة (2)/ د. خالد البوهي   الإثنين أبريل 25, 2011 4:17 pm



و بعنوان تطبيق مقارن كتب د. خالد البوهي



تطبيق مقارن


التقينا فى مكتبة المستقبل بالقاهرة بلفيف من الأدباء والشعراء حول مناقشة أطروحتى "في رحاب القصة الشاعرة" ، وقد تشدق بعض الحضور بما يُشكِّكُ في وُرودِ شبهٍ بينها وبين الشعر القصصى (القصة القصيدة) فى تراثنا الأدبى ، وبينما هم كذلك أكد آخرون وجود فروق جوهرية بين الشعر المستفيد بالدراما ، وبين القصة الشاعرة ، وهكذا دارتْ المشاحناتُ النقدية والارتجالية ، ممّا أعادني إلى ماهية التدوير في القصة الشاعرة تدويراً إيقاعياً وموضوعياً ، والشعر القصصى (عمودياً كان أو تفعيلياً) يفتقر إلى النوعين معا ، فأبيات الشعر القصصى العمودية ، والسطور التفعيلية ليست مدورة إيقاعيا ، كما لا يدخلها التدوير الموضوعى ، لأننا وببساطة نجد أن البيت الواحد والسطر الواحد لا يفتقران إلى غيرهما ، وإن أتمتْ القصيدة معنيهما، وفي كلٍّ لا يُشترطُ وجود أسس فن كتابة القصة القصيرة كما هو أحد المعايير الرئيسية في كتابة "القصة الشاعرة" ..، وإذا كنتُ قد رفضت أن أضم قصائد درامية لبعض الشعراء فى القصة الشاعرة ، فأنا أرفض قصيدتين ضمهما ديوانى "منف" ، وأنا أراهما قصيدتين تفعيليتين ليس إلا... ،أقول ذلك برغم أن قصيدتىَّ مدورتان إيقاعيا ، وقصائد غيرى بلا تدوير.

القصيدة الأولى بعنوان "غريق" كتبتها عام 2000 وصدرت فى ديوانى عام 2004 ،ومع ذلك أنصفت نفسى من نفسى فلم أدع الريادة ، ولم أكابر ، والثانية بعنوان "خلود" كتبتها عام 2004 وصدرت فى الديوان نفسه.
وسأتناول الأسباب التى تخرج قصيدتيَّ من باب القصة الشاعرة.
القصيدتان:

1. غريق

على شاطئ اللانهائى من بحر همى
عطوفا مشيت
أشاربنى زبد البحر..
أعطش..أشرب..
أعطش.. أشرب..
أسكر.. أنشد معزوفة الحزن..
فى كل ركن
تساقط من حلم أمسى
وأسألنى – فى اقتضاب الهجير –
أما زال قلبك يسبح فى لجة الموج..
يسبح..يسبح..
يجرفه ( السَّحْبُ ) دوامة..
ويقبُّ ويغطس..
يرفع كلتا ذراعيه مستنجدا
دون جدوى
يقب ويغطس..
يشرب..يشرب..
يلفظه الموج يطفو
... ... ... ... ...
وأرقبه جثة قد تغسل..
من دمع تلك الليالى اللواتى تغشى بهن
يكفنه الحب لكنه..
قبل أن يستريح
على راحة الحب..
قام /استدار
إلى أين؟ لم أدر..
قال الرواة الذين رأوه:
"رأيناه فى كل يوم غريقا" !!

2. خلود


إذا أنا مت فلا تحرقينى سوى بالحنين..
الذى فى دمائى
و ذرى رمادى على كل جسمك..
واستسلمى بين ذراته..
إننى متعب /حان وقت الرحيل إلى جنة..
عرضها مثل عرض قلوب المحبين..
لا تبخلى.. إننى أشتهى جنة واحتراقا
فقولى استرح فى نعيم اللهيب
بحق الذى كان أو لم يكن من غرام جميل
يناجى شفاها
تذوب بحضن الهوى كل وقت
تموت فناء
وتحيا خلودا !!



***


القصيدتان برغم احتفاظهما بالتدوير الإيقاعى ، لكنهما لم يحتفظا بالتدوير الموضوعى ، لأنى أعرف فائدة السطر الشعرى ، وأعرف أن وقوفى على كلمتيّ "يطفو" فى القصيدة الأولى ، و"احتراقا" فى الثانية يضيف إلى المعنى كثيرا ، وأعرف كذلك أن القصيدتين تتكونان من سطور شعرية ، وبرغم وحدتهما العضوية ، لكنهما عبارة عن جمل لا تفتقر إلى بعضها ، وإن كانت مترابطة ، ومن الناحية الأخرى فهما يفتقران إلى حبكة السرْدِ فى القصة القصيرة ، وليس هذا عيبا فيهما لكنهما قصيدتان تفعيليتان ..، وأخيرا قارنوا بالحس التذوقى بينهما وبين القصة الشاعرة... وشتان ما هما .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ash3r.montadarabi.com
 
القصة الشاعرة (2)/ د. خالد البوهي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نبضات الشاعر محمد الشحات محمد :: القصة الشاعرة :: دراسات حول القصص الشاعرة-
انتقل الى: